محمد بن وليد الطرطوشي

168

سراج الملوك

الباب الثاني عشر في التنصيص على الخصال التي زعم الملوك أنها أزالت دولتهم وهدمت سلطانهم أيّها الملك : احرص كلّ الحرص على أن تكون خبيرا بأمور عمّالك ، فإن المسئ يفرق من خبرك به « 1 » ، قبل أن تصيبه عقوبتك ، والمحسن يستبشر بعلمك قبل أن يأتيه ثوابك . قال أبو جعفر المنصور « 2 » : وما زال أمر بنى أمية مستقيما حتى أفضى أمرهم إلى أبنائهم المترفين ، فكانت همّتهم - من عظيم شأن الملك وجلالة قدره - قصد الشهوات ، وإيثار اللذات ، والدخول في معاصي الله ومساخطه ، جهلا منهم باستدراج الله تعالى ، وأمنا لمكره ، فسلبهم الله تعالى العزّ ، ونقل عنهم النعمة . قال عبيد الله بن مروان « 3 » - ومروان هذا هو المعروف : بمروان الحمار ، وهو آخر ملوك بنى أمية ، قتل في أرض مصر في كورة بوصير - « 4 » لما زال ملكنا ، وهربت إلى أرض النوبة ، فيمن اتّبعنى من أصحابي ، فسمع ملك النوبة بخبري ، فجاءنى فقعد على الأرض ولم يقعد على فراش افترشته ، فقلت له : ألا تقعد على ثيابنا ؟ قال لا ، قلت : ولم ؟ قال : لأنّى ملك ، وحقّ على كلّ ملك أن يتواضع لأمر الله سبحانه وتعالى إذ رفعه . ثم قال لي : لم تشربون الخمر وهي محرمة عليكم ؟ ولم تطئون الزرع بدوابّكم والفساد محرّم عليكم ؟ ولم تستعملون الذهب والفضة وتلبسون الديباج والحرير وهو محرم عليكم ؟

--> ( 1 ) في ( خ ) أن المسئ يفرق من معرفتك به . ( 2 ) أبو جعفر المنصور : الخليفة العباسي الثاني ، سبقت ترجمته . ( 3 ) مروان بن محمد آخر خلفاء بنى أمية لقّب بالحمار لجرأته في الحروب ولقّب بالجعدى نسبه إلى مؤدبه الجعد بن درهم ، هزمه العباسيون في معركة الزاب وقتل في مصر سنة 132 ه ، وكان له ولدان عبيد الله وعبد الله ، أما عبيد الله فقد قتل بعد أبيه ولا عقب له ، وأما عبد الله فكان جعله والده ولى عهده بعده ، سجن في بغداد حتى مات زمن الرشيد ( الأعلام 7 / 208 ، المعارف لابن قتيبة ص 372 ) . ( 4 ) كورة بوصير : اسم يطلق على أربع قرى في مصر .